فخر الدين الرازي

26

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يحصل فيه كل الحق ، ويندمغ كل باطل ، فلما كان كاملا في هذا المعنى قيل : إنه حق ، كما يقال : فلان خير كله إذا وصف بأن فيه خيرا كثيرا ، وقوله : ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ يفيد أنه هو اليوم الحق وما عداه باطل ، لأن أيام الدنيا باطلها أكثر من حقها وثانيها : أن الحق هو الثابت الكائن ، وبهذا المعنى يقال إن اللّه حق ، أي هو ثابت لا يجوز عليه الفناء ويوم القيامة كذلك فيكون حقا وثالثها : أن ذلك اليوم هو اليوم الذي يستحق أن يقال له يوم ، لأن فيه تبلى السرائر وتنكشف الضمائر ، وأما أيام الدنيا فأحوال الخلف فيها مكتومة ، والأحوال فيها غير معلومة . قوله تعالى : فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً أي مرجعا ، والمعتزلة احتجوا به على الاختيار والمشيئة ، وأصحابنا رووا عن ابن عباس أنه قال : المراد فمن شاء اللّه به خيرا هداه حتى يتخذ إلى ربه مآبا . [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 40 ] إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً ( 40 ) [ في قوله تعالى إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً ] ثم إنه تعالى زاد في تخويف الكفار فقال : إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يعني العذاب في الآخرة ، وكل ما هو آت قريب ، و [ هو ] كقوله تعالى : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها [ النازعات : 46 ] وإنما سماه إنذارا ، لأنه تعالى بهذا الوصف قد خوف منه نهاية التخويف وهو معنى الإنذار . ثم قال تعالى : يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما في قوله : ما قَدَّمَتْ يَداهُ فيه وجهان الأول : أنها استفهامية منصوبة بقدمت ، أي ينظر أي شيء قدمت يداه الثاني : أن تكون بمعنى الذي وتكون منصوبة ينتظر ، والتقدير : ينظر إلى الذي قدمت يداه ، إلا أن على هذا التقدير حصل فيه حذفان أحدهما : أنه لم يقل : قدمته ، بل قال : قَدَّمَتْ فحذف الضمير الراجع الثاني : أنه لم يقل : ينظر إلى ما قدمت ، بل قال : ينظر ما قدمت ، يقام نظرته بمعنى نظرت إليه . المسألة الثانية : في الآية ثلاثة أقوال : الأول : وهو الأظهر أن المرء عام في كل أحد ، لأن المكلف إن كان قدم عمل المتقين ، فليس له إلا الثواب العظيم ، وإن كان قدم عمل الكافرين ، فليس له إلا العقاب الذي وصفه اللّه تعالى ، فلا رجاء لمن ورد القيامة من المكلفين في أمر سوى هذين ، فهذا هو المراد بقوله : يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ فطوبى له إن قدم عمل الأبرار ، وويل له إن قدم عمل الفجار والقول الثاني : وهو قول عطاء : أن المر هاهنا هو الكافر ، لأن المؤمن كما ينظر إلى ما قدمت يداه ، فكذلك ينظر إلى عفو اللّه ورحمته / وأما الكافر الذي لا يرى إلا العذاب ، فهو لا يرى إلا ما قدمت يداه ، لأن ما وصل إليه من العقاب ليس إلا من شؤم معاملته والقول الثالث : وهو قول الحسن ، وقتادة أن المرء هاهنا هو المؤمن ، واحتجوا عليه بوجهين الأول : أنه تعالى قال بعد هذه الآية ، وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً فلما كان هذا بيانا لحال الكافر ، وجب أن يكون الأول بيانا لحال المؤمن والثاني : وهو أن المؤمن لما قدم الخير والشر فهو من اللّه تعالى على خوف ورجاء ، فينتظر كيف يحدث الحال ، أما الكافر فإنه قاطع بالعقاب ، فلا يكون له انتظار أنه كيف يحدث الأمر ، فإن مع القطع لا يحصل الانتظار . المسألة الثالثة : القائلون : بأن الخير يوجب الثواب والشر يوجب العقاب تمسكوا بهذه الآية ، فقالوا :